قطب الدين الراوندي
436
منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة
غير راكبين ، وأنزلوا فيها غير نازلين ، كأنهم لم يكونوا للدنيا عمارا ، وكأن الآخرة لم تزل لهم دارا ، أوحشوا ما كانوا يوطنون ، وأوطنوا ما كانوا يوحشون ، واشتغلوا بما فارقوا ، وأضاعوا ما إليه انتقلوا . لا عن قبيح يستطيعون انتقالا ، ولا في حسن يستطيعون ازديادا . أنسوا بالدنيا فغرتهم ، ووثقوا بها فصرعتهم . فسابقوا رحمكم اللَّه إلى منازلكم التي أمرتم أن تعمروها ، والتي رغبتم فيها ودعيتم إليها ، واستتموا نعم اللَّه عليكم بالصبر على طاعته ، والمجانبة لمعصيته فان غدا من اليوم قريب ما أسرع الساعات في اليوم ( 1 ) ، وأسرع الأيام في الشهر وأسرع الشهور في السنة ، وأسرع السنة ( 2 ) في العمر . ( ومن خطبة له عليه السلام ) فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب ، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم ، فإذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت ، فعند ذلك يقع حد البراءة والهجرة قائمة على حدها الأول . ما كان للَّه في أهل الأرض حاجة من مستسر الأمة ومعلنها ، لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض ، فمن عرفها وأقربها فهو مهاجر ، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها أذنه ووعاها قلبه . ان أمرنا صعب مستصعب ، لا يحمله إلا عبد امتحن اللَّه قلبه للايمان ، ولا يعي حديثنا إلا صدور أمينة وأحلام رزينة . أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني ، فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض ، قبل أن تشغر برجلها فتنة تطأ في خطامها ، وتذهب بأحلام قومها .
--> ( 1 ) في ب : في الدنيا . ( 2 ) في ب : « في الأيام » و « في الشهور » و « في السنين » .